عبد الشافى محمد عبد اللطيف
356
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
والعلم آنئذ كان موجودا في الشرق ، أي على الأرض التي يسيطر عليها العباسيون ، الأعداء الألداء للأمويين ، والذين كانت علاقاتهم بهم من أسوأ العلاقات . فالأمويون في الأندلس أقاموا علاقات ودّ وحسن جوار ، بل تعاون وتحالف مع كثير من أعدائهم التقليديين السابقين ، والنموذج الواضح على ذلك علاقاتهم بالرستميين في المغرب الأوسط - الجزائر الحالية - فدولة الرستميين قامت على أساس المذهب الأباضي وهو أحد مذاهب الخوارج ، والعداء بين الأمويين والخوارج من أبرز ظواهر التاريخ الإسلامي ، بل إن الخوارج الذين أقاموا دولا في المغرب الإسلامي - الرستميون في تاهرت وبنو مدرار في سجلماسة في جنوب المغرب - جاؤوا إلى هنا فرارا من ملاحقة الأمويين لهم في المشرق . ومع ذلك وحّد العداء للعباسيين ، أو قل : دفع العداء المشترك للعباسيين كلّا من الأمويين في الأندلس والرستميين في المغرب الأوسط إلى التعاون والتحالف في شتى الميادين ، وقد يتسع الوقت لإعطاء لمحة عن ذلك التعاون فهو جزء مكمل لإبراز دور الأمويين في سعيهم لنقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس . لم يكن هناك سبيل إذن لإقامة أي نوع من العلاقات السياسية بين الأمويين والدولة العباسية في المشرق ، التي أسقطت دولتهم وقامت ضدهم بحركة إبادة لم ينج منها إلا أفراد قلائل كان منهم عبد الرحمن الداخل مؤسس دولة الأمويين في الأندلس . العلاقات السياسية لا سبيل إليها ، أما العلم وكل مفردات الحضارة العربية الإسلامية التي بدأت في التألق والازدهار في المشرق فلا بد من إحضارها كاملة غير منقوصة ، فبذل الأمويون في ذلك كل جهد ممكن ، وسلكوا - كما أشرنا قبل قليل - كل الطرق الممكنة ، ومنها : أولا : تسهيل ارتحال أبناء الأندلس إلى المشرق لتحصيل العلوم ، والرجوع إلى الأندلس لنشر ذلك العلم بين أهله ، ولقد وفرت فريضة الحج فرصة نادرة للارتحال إلى المشرق لأداء تلك الفريضة في مكة المكرمة وزيارة مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلم في المدينة المنورة ، وقلما جاء عالم أو طالب علم من الأندلس إلى المشرق لأداء تلك الفريضة وعاد إلى بلاده دون أن يطوف بكل أو بعض مراكز العلم في المشرق ، سواء في الحجاز أو العراق أو الشام أو مصر ، وحتى في شمال إفريقيا ، وبصفة خاصة مدينة